صديق الحسيني القنوجي البخاري

599

فتح البيان في مقاصد القرآن

فمن قوله : « سلوا إلي من العذاب » ظاهر الدلالة على أن الواجب تعالى يقول لنبيه أن يسلي ويخبر أمته بما هو مزمع الوقوع وباستقامة دعائم أورشليم في آخر الزمان ، وفي قوله ضعفان من العذاب إشارة إلى أنها كانت قد أخطأت فانتقم اللّه منها بما حدث عليها من الذل بعد المسيح عليه السلام في أيام تسلط الروم والنصارى عليها إلى زمان محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم وبعد محمد صلى اللّه عليه وسلم أيام تسلط العرب عليها وهي أيامنا هذه إلى زمان ظهور القائم إن شاء اللّه تعالى ، وبعد ذلك تستقيم دعائمها وتعمر رسومها . وقد ذكر بعض أهل العلم أن المهدي سينطلق إلى أورشليم ويصلي فيها ويجتمع هناك بالمسيح عليه السلام عند نزوله ، ومن قوله : « هذا صوت صارخ إلى قوله نطق به » إشارة إلى يحيى بن زكريا عليه السلام لما كان يعظ بهذه الجملة على شاطىء شط الأردن وقوله : وطئوا له في البادية سبيلا مرتفعا لا يدل على غير السبيل المستقيم من مكة إلى أورشليم البتة لأن أورشليم ليست في البادية وقوله فإن كل واد يريد به الجهال كأهل السواحل والارتفاع عبارة عن الصعود على ذروة طود الإيمان ، وكل جبل وأكمة يشير به إلى الجبابرة من الفرس والروم ، والاتضاع الانقياد إلى أوامر الدين الحنيف وسيعتدل المعوج إشارة إلى اليونانيين وحكماء الهند بقبول الشريعة الغراء لانحراف طبائعهم عن الانعطاف إلى اتباع النواميس الإلهية . وقوله تلين الصعاب ، كناية عن العرب لأنهم هم أقوى الناس جنانا ، وأبعدهم إيمانا ، وإلى ذلك أشار بقوله : « ولو نزلناه على بعض الأعجمين » الخ وقوله : « وسيشاهد مجد اللّه » أي المهدي والسين للاستقبال البعيد ، والمعنى أنه إذا كملت جميع هذه الأمور ، وبعث محمد صلى اللّه عليه وسلم يظهر المهدي . وقوله لأن فم الرب قد نطق به إشارة إلى وجوب وقوعه ، ومن قوله : فقال الصوت اصرخ ضرب من شديد التأكيد لوجوب وقوعه ، فلا دلالة لشيء منه على مسيح اليهود الموهوم ، اللهم إلا أن يريدوا بالمسيح نفس المهدي ، فحينئذ يلزمهم الاعتراف بنبوة عيسى ومحمد صلى اللّه عليه وسلم . وأما إنه لا يدل على عيسى ابن مريم فلأن سياقه في أشعياء قد مر بيانه ولا محتمل له غيره ، ولأن لوقا لم يذكره مستدلا به عليه ، ولا قرينة هناك يؤول إليها الضمير ، بل إنه جملة مستأنفة في أول الأصحاح ، ومضمون الأصحاح على الاجمال أن لوقا أخبر أنه في زمان كذا جاء يحيى بن زكريا إلى البرية يصرخ ويقول كذا . وهذا لا يدل على المسيح ابن مريم بوجه من الوجوه ، ولكنه يدل على بعثة محمد صلى اللّه عليه وسلم وقيام المهدي لأن الجملة مستأنفة والقاعدة في المستأنفات أن تحمل على ما يناسبها فيكون ما ذكره لوقا ضربا من التأكيد لكلام أشعياء عليه السلام لا غير .